|
الثابت تاريخياً أن منار الإسكندرية، الذي كان من عجائب الدنيا السبع، قد أُنشئ عام 280 ق.م.، في عصر بطليموس الثاني؛ وقد بناه المعماري الأغريقي سوستراتوس؛ وكان طوله ، البالغ مائةً وعشرين متراً، يجعله أعلى بنايةً في عصره. ويقال أن قلعة قايتباي قد أقيمت في موقع المنار، وعلى أنقاضه. وقد وصف المسعودي، في عام 944 م، المنار وصفاً أميناً، وقدَّر ارتفاعه بحوالي 230 ذراعاً. وقد حدث زلزال 1303 في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، فضرب شرق البحر المتوسط، ودمر حصون الإسكندرية وأسوارها ومنارها. وقد وصف المقريزي في خططه ما أصاب المدينة من دمار، وذكرَ أن الأمير ركن الدين بيبرس الجشنكير قد عمَّر المنار أي رمَّمه في عام 703 هـ. وبعد ذلك الزلزال المدمر بنصف قرن, زار ابن بطوطة الإسكندرية في رحلته الثانية عام 1350 م، وكتب يقول: "وقصدتُ المنار، عند عودتي إلى بلاد المغرب، فوجدته قد استولى عليه الخراب، بحيث لا يمكن دخوله ولا الصعود إليه؛ وكان الملك الناصر – رحمه الله – شرع في بناء منار بإزائه فعاقه الموت عن إتمامه". ويروي المؤرِّخ المصري ابن إياس، أنه عندما زار السلطان الأشرف قايتباي الإسكندرية في عام 1477 أمر أن يُبنى مكان المنار برج جديد وهو ما عُرف فيما بعد ببرج قايتباي، ثم طابية قايتباي التي لا تزال قائمةً، حتى اليوم.

وكان المنار يتألَّف من أربعة أقسام؛ الأوَّل عبارة عن قاعدة مربَّعة الشكل، يفتح فيها العديد من النوافذ، وبها حوالي 300 غرفة، مجهَّزة لسكنى الفنيين القائمين على تشغيل المنار وأُسرهم. أما الطابق الثاني، فكان مُثمَّن الأضلاع؛ والثالث دائرياً؛ وأخيراً تأتي قمة المنار، حيث يستقر الفانوس، مصدر الإضاءة في المنار، يعلوه تمثال لإله البحر والزلازل عند الإغريق "بوسايدون".
ومن الطريف، أن اسم جزيرة فاروس – Pharos – أصبح عَلَماً على اصطلاح منار، أو فنار، في اللغات الأوربية، واشتُقَّت منه كلمة فارولوجي –Pharology - - للدلالة على علم الفنارات. ولم يعرف أحد يقيناً كيف كان المنار أو الفنار يعمل؛ وقد ظهرت بعض الاجتهادات لم يستقر الخبراء وعلماء التاريخ على أيٍ منها. وثمَّة وصفٌ لمرآة ضخمة كاسرة للآشعة في قمة الفنار كانت تتيح رؤية السفن القادمة قبل أن تتمكن العين المجرَّدة من رصدها. وقد كتب الرحَّالة العربي القديم "ابن جبير" أنَّ ضوء الفنار كان يُرى من على بُعد 70 ميلاً في البحر. وهناك رواية تُفيد بأن مرآة الفنار وكانت إحدى الإنجازات التقانية الفائقة في عصرها، قد سقطت وتحطَّمت في عام 700 م.، ولم تُستبدل بغيرها؛ وفقد الفنار صفته الوظيفية منذ ذلك الوقت وقبل أن يدمِّره الزلزال تماماً.
 ويُقال أن الصعود إلى الفنار والنزول منه كان يتم عن طريق منحدر حلزوني؛ أما الوقود فكان يُرفعُ إلى مكان الفانوس في الطابق الأخير بواسطة نظام هيدروليكي. وقد وصف فورستر طريقة أخرى لرفع الوقود – الخشب – إلى موقع الفانوس فذكرَ أن صفَّاً طويلاً من الحمير كان في حركة دائبة لا يتوقف ليلاً أو نهاراً صعوداً ونزولاً عبر المنحدر الحلزوني تحمل الوقود الخشبي على ظهورها!.
وفي مُفتتح القرن العشرين، قدَّم الأثري والمعماري الألماني"هرمان ثيرش" نموذجاً للفنار في هيئة أقرب إلى نُصُب تذكاري يرتفع كبرج فخم مكوَّن من ثلاثين طابقاً ويحتوي على 300 غرفة.
إن فريق الباحثين الأثريين العاملين بموقع قايتباي يسعون للحصول على كتل حجرية تنتمي لأنقاض الفنار القديم؛ وهم يعرفون أن واجهته كانت تحمل لوحةً تذكارية منحوتة بحروف يونانية ضخمة فإذا وجدوا تلك اللوحة أو جزءاً منها تأكد للجميع أن الكتل الحجرية الضخمة الغارقة بالموقع هي أنقاض الفنار.
إن بعض علماء التاريخ يشكك في أن الفنار القديم هو مصدر هذه الكتل ويعتقد أنها مجرَّد صخور كانت تُلقى إلى الماء في العصور الوسطى كإجراء دفاعي لإغلاق الميناء أمام سفن الصليبيين الغزاة. ومع ذلك فإن "جان – إيف إمبرور" لا يزال متمسِّكاً باعتقاده أن بين هذه الأنقاض الغارقة قطعاً من جسم الفنار سقطت في المياه عندما تحطَّم ذلك البرج الضخم بفعل الزلزال. ولكي يؤكد هذه الاحتمالات يحاول جان-إيف أن يتتبَّع كل الدلائل والإشارات التاريخية حول حجم وهيئة ذلك المبنى الغامض الذي ورد ذكره ووصفه في كتابات عشرات من الكتَّاب الإغريق والرومان والعرب القدامى الذين سجَّلوا أوصافاً عجيبةً له؛ ولكن كتاباتهم لا تشفي غليل إمبرور لعموميتها وعدم دقتها، وأحياناً لتناقضها مع بعضها البعض.
آثار فرعونية أخرى: لم يعثر الباحثون بعدُ على ضالتهم؛ ولكنهم وجدوا قطعة حجرية تشبه جسم الأسد وبدون رأس تعرَّف عليها علماء المصريَّات وقالوا إنها تمثال ناقص لأبي الهول وإنها كانت تحمل رأس رجل. كما وجد الغوَّاصون بالموقع ثلاث كتل مخروطية ضخمة عليها نقوش هيروغليفية يدلُّ تكوينها المخروطي على أنها أجزاء من مسلَّة قديمة تم نحتها من كتلة جرانيتية واحدة.
إن المكان الطبيعي الذي يعرفه علماء الآثار لمثل تلك المسلَّة هو مدخل أحد المعابد في مصر العليا؛ فكيف، ولماذا غادرت تلك المسلَّة مكانها الاعتيادي وجاءت إلى أقصى الشمال لتنتهي بها الرحلة إلى حطامٍ غارقٍ تحت سطح البحر في الموقع المحتَمَل للفنار القديم؟!. لقد تم انتشال تلك الكتل المخروطية الثلاث وبعد تنظيفها وإزالة الأصداف الدقيقة الملتصقة بها ظهرت الكتابة الهيروغليفية المنقوشة عليها وكانت عبارة عن "رُقية" سحرية نُقِشت على المسلة في أحد العصور الذهبية لمصر القديمة قبل أن يُقام الفنار بأكثر من ألف عام وكانت تبدأ بكلمات تبجيل للإله حورس: "حورس الذهبي، عظيم البهاء، قوي الساعد، القادر على منازلة مئات الألوف"!
وعاد الغوَّاصون ليكتشفوا تمثالاً ضخماً لأبي الهول منحوتاً في كتلة من الصخر "المَهَوي"، أو الكوارتزايت، وهو حجر رملي أبيض أو رمادي اللون؛ وكانت رأس التمثال مفصولة ولكنها لم تكن غائبة إذ وُجِدت بالقرب من الجسم. وقد تمكن الأثري الفرنسي "جان بيير كورتيجياني" من قراءة النقوش المحفورة عليه، والتي تدل على أنه من عصر بسماتيك الثاني اللذي حكم مصر في الفترة 595 – 589 ق.م.
وهكذا، فإن الموقع الذي كنَّا ننتظر منه أن يعطينا آثاراً إغريقية لم نجد فيه إلاَّ حطام آثار فرعونية وبأعداد كبيرة فما تفسير ذلك؟ تردَّدت عند قراءة النقوش الهيروغليفية المرسومة فوق عشرات الكتل الصخرية الغارقة أسماء بعض الآلهة المصرية القديمة مثل أتون، ورع حور آختي؛ وهما إلهان جسَّدهما المصريون القدماء في قرص الشمس؛ كما أنهما من آلهة هليوبوليس واحد من أهم مراكز الديانة المصرية القديمة ويبعد عن الإسكندرية أكثر من مائة ميل جنوباً. الأكثر من ذلك أن بعض هذه الكتل ذات النقوش يعود تاريخه إلى ألف عام قبل أن يعرف العالم مدينة الإسكندرية؛ إن ذلك يجعلنا نعود للسؤال: ماذا كانت تفعل هذه المسلات المحطَّمة وتماثيل أبي الهول (المذبوحة) والكتل القادمة من هليوبوليس في تلك المدينة الإغريقية: الإسكندرية؟!
قد تكون الإجابة على كل هذه التساؤلات موجودة في طيَّات التاريخ المصري القديم فقد اعتاد الفراعنة أن يهدموا الآثار التي خلَّفها أسلافهم ويبنون من أنقاضها تماثيلهم وأعمدة معابدهم. إن الأهرام نفسها لم تسلم من هذا السلوك المستَغرَب إذ انتُزِعت بعض الحجارة التي تكسوها لتقام بها منشآت جديدة؛ كما استعار ابن رمسيس الثاني أجزاءً من معبدٍ لـ أمنحتب الثالث ليبني بها معبداً جنائزياً. وكان من نتيجة هذه الأعمال المؤسفة أن وُجِدت أعمدة ومسلاَّت وتماثيل بل ومعابد كاملة أُقيمت من خليط مشوَّش من الكتل الحجرية تنتمي لطُرُز فنية متباينة, فهل سلكت المدينة الإغريقية البطلمية سلوك الفراعنة؟ المؤكَّد أن الثقافة المصرية أثَّرت في الأغريق والدليل على ذلك قابع تحت شوارع المدينة الحديثة حيث تمتد سراديب وتوجد مبان ومعابد ومدافن للمدينة الأغريقية القديمة ينتظمها كلها أسلوب فني ومعماري غريب لا هو بالمصري القديم ولا هو إغريقي بل خليط من مكوِّنات الأساليب الأغريقية والرومانية والمصرية حتى الآلهة اختلطت ملامحها.
وثمَّة تمثال لجندي روماني له رأس ابن آوى وهو رأس الإله المصري أنوبيس ولا يجد علماء الآثار غرابةً في ذلك فالمدينة الجديدة – الإسكندرية القديمة – احتضنت خليطاً من السكَّان مكوَّناً من الأغريق واليهود والرومان والمصريين والأفارقة والعرب. على أي حال دعونا نرجع إلى الفنار القديم ونواصل تساؤلاتنا: هل تمَّ بناؤه بنفس الأسلوب، فاجتمعت فيه العمارة الأغريقية، مع العمارة المصرية؟ يتوقَّف جان – إيف إمبرور أمام قطعة جرانيتية ضخمة يعتقد أنها كانت جزءاً من بوَّابة كبيرة وإلى جانبها قاعدة لتمثال ضخم ثم عدة قطع متناثرة تبيَّن للفريق البحثي أنها متآلفة فيما بينها وأنها كانت في الأصل عموداً كبيراً، من الطراز الذي يُصنع من قطعة حجرية واحدة monolith؛ وكان طوله يزيد عن ثلاثين متراً ووزنه 75 طنَّاً. وبالإضافة إلى ذلك تم تسجيل وتحديد مواقع 15 قطعة جرانيتية أخرى يزيد وزن القطعة الواحدة عن 30 طِنَّاً.
وفي أكتوبر 1995 انتُشِلت القطعة الجرانيتية الضخمة التي يظن إمبرور أنها كانت جزءاً من بوَّابة المنار؛ وبعد فحصها تبين أنها عبارة عن لوح جرانيتي، طوله 11 ونصف متر وفي أحد طرفيها تجويف مستدير دفع إمبرور إلى تخيُّل أن ثمَّة قطعة حجرية لم تُكتشف بعد في هذا الموقع لها طرف متوافق مع هذا التجويف بحيث يصنعان معاً عند ارتباطهما القبَّة العليا لمدخل المنار!
وردَّاً على الرأي القائل بأن هذه القطع الحجرية الضخمة قد أُسقطت عمداً في تلك المنطقة كإجراء دفاعي ضد السفن المغيرة يقول "جان-إيف إمبرور": إن بالموقع عدة قطع حجرية صغيرة الحجم والوزن قد تكون هي التي يقصدها أصحاب هذا الرأي, أما القطع الضخمة فيصعب تصديق أنها أُلقيت من فوق قارب، فإمكانيات النقل البحري في ذلك الزمن لم تكن تتيح ذلك. ولا يبقى إلاَّ التصوُّر الذي يتحمَّس له الخبير الفرنسي ومجموعة من معاونيه وهو أن تلك القطع الحجرية الثقيلة كانت أجزاءً من مبنى الفنار الذي ضربه الزلزال فقوَّضه وسقطت أنقاضه في المياه.
ويضيف الأثري الفرنسي المتحمِّس: "إن لدينا حوالي 30 قطعة من الحجارة الضخمة يصل طول بعضها إلى 12 متراً ويزيد وزن بعضها عن 75 طِنَّاً وقد تراصَّت على القاع في موقع الفنار في شكل خطِّي وفي بعض منها شروخ تقسمه إلى قطعتين أو ثلاث وذلك لأنها سقطت من ارتفاع كبير بعد أن ضرب الزلزال الموقع". هل استعملت أحجار المنار في بناء قلعة قايتباي؟ وأخيراً، لا يمكننا تجاهل رأي يقول بأن أنقاض الفنار قد استُخدِمت في إنشاء قلعة قايتباي وهي مبنية من الحجر الجيري مع بعض الكتل الجرانيتية في أماكن متفرِّقة من البناية.. فهل كان الفنار مبنيَّاً من هذين النوعين من الحجارة؟. لن يتمكَّن أحد من معرفة إجابة هذا السؤال قبل أن يجري تحليل البيانات الخاصة بكل الكتل الحجرية الغارقة والتعرُّف على ما إذا كان ثمَّة نسَقٌ يجمع بينها أم أنها من مصادر شتَّى ولا رابطة بينها. فإذا كانت متَّسِقة الأبعاد والهيئات والأوزان قويَ الدليل على أنها كانت من وحدات بناء الفنار..
|