لقد توقف ذلك القائد المقدوني، قبل 23 قرناً، عند قرية مصرية على ساحل البحر المتوسط، هي "راقودة"، وأطلَّ على جزيرة صغيرة في مواجهتها، هي "فاروس"؛ والتمعت بذهنه صورة مدينة جديدة، فأمر مهندسيه بضم القرية والجزيرة معاً؛ فربط المهندسون بينهما بطريق ضيِّق، أطلقوا عليه اسم "الهيبتا ستاديوم"، وذلك لأن طوله كان سبعة "ستاديات"، أي ما يوازي 1200 متراً؛ وكان يقسم المياه أمام المدينة الجديدة – الإسكندرية – إلى حوضين: الميناء الشرقية، والميناء الغربية. وكانت الأولى هي الميناء الرئيسية، فهي التي تستقبل أهم السفن الحربية والتجارية، وتحيط بها القصور والحدائق والمباني الحكومية، فيما كان يُسمَّى بالحيِّ الملكي؛ وهذه المنطقة هي التي حكمت مصر لمدة 298 سنة، بدايةً بحكم بطليموس الأول، القائد المساعد للإسكندر الأكبر، الذي جاء معه إلى مصر، وعيَّنه أوَّل حاكم للإسكندرية؛ حتى كليوباترا السابعة، آخر ملوك البطالمة، وأشهرهم على الإطلاق؛ والتي انتهى حكمها بمعركة أكتيوم الشهيرة، سنة 30 ق.م.، حيث هزمها أوكتافيوس، وأصبحت مصر - بعدها - مستعمرة رومانية.
لقد كان ذلك الحي الملكي يشغل المنطقة الحالية، الممتدة من شارع النبي دانيال، حتى مقابر الشاطبي؛ ولم يكن مسموحاً لعامة الشعب بدخول هذا الحي، فكان الناس يقفون على ربوة عالية في منطقة "كوم الدكة"، ليتفرَّجوا على قصور حكَّامهم. ويظهر، في خريطة الميناء الشرقية، الجزء الساحلي المغمور من الحي الملكي، والذي اتَّضحت معالمه بعد عمليَّات المسح الأخيرة، التي قام بها باحثو إدارة الآثار الغارقة، التابعة لهيئة الآثار المصرية، في أكتوبر 1999. ويصف الأستاذ إبراهيم درويش، رئيس تلك الإدارة - أول مصري يتعلم الغوص ليدرس الآثار الغارقة - - يصف لنا ما رصده وزملاؤه الباحثون الغوَّاصون، في الميناء الشرقية، فيقول: في منطقة "رأس لوخياس" (الميناء الشرقي حالياً) وجدنا آثاراً لمجموعة من القصور البطلمية، كما وجدنا جزيرة أنتيرودس التي شيَّدت عليها كليوباترا قصرها – وبين الرأس والجزيرة، وهي مسافة قدرها 500 متراً، وتمتد، حالياً، من "جامع إبراهيم"، حتى فندق سيسيل، رصدنا ما لا يقل عن 5000 قطعة آثار، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من المباني، ومنها أرضيات القصور الملكية، بالإضافة إلى أول مركب خشبية، يتم الحصول عليها كاملةً، في حوض البحر المتوسط، وهي من العصر الروماني، ويبلغ طولها 35 متراً، وعرضها ثمانية أمتار؛ وهي راقدةٌ الآن، على عمق خمسة أمتار، في الموقع المقابل لفندق سيسيل، في ميدان "محطة الرمل" الشهير، بالإسكندرية.
كما رصد فريق البحثين ما يقرب من 1500 قطعة آثار متراصَّة، على جزيرة أنتيرودس، وموقعاً يُعتقَد أنه معبد للآلهة إيزيس وفيه أعمدة ضخمة، من نفس نوعية الأعمدة في معبد الأقصر. وأسفرت عمليات المسح، أيضاً، عن اكتشاف 17 تمثالاً غارقاً لـ أبي الهول، ومجموعة كبيرة من أواني النقل والتخزين الفخارية (أمفورات)، تشير إلى كِبر حجم حركة النقل والتجارة في المنطقة؛ وقد تكون دليلاً – ضمنياً – على وجود سفن أخرى، غارقة ومطمورة تحت رسوبيات القاع. كما رسم الأثريون المنطقة الساحلية المعروفة باسم "تيمونيوم" حيث شيَّدت كليوباترا "قصر التأمُّلات" لمارك أنطونيو! وقد تمكَّن المشاركون الفرنسيون من التغلُّب على مشكلة فنيَّة اعترضت أعمال الكشف في الميناء الشرقية، إذ تطلَّب الأمر قراءة النقوش الأغريقية والهيروغليفية، المحفورة على الكتل والتماثيل الجرانيتية الغارقة؛ وقد تعذَّر ذلك، نظراً لصعوبة الرؤية في هذه المياه (لا يزيد مدى الرؤية، في أحسن الأحوال، عن متر ونصف المتر؛ فقد ظلَّت هذه المياه، لعشرات السنين، تستقبل مخلَّفات الصرف الصحي، دون معالجة، من 18 ماسورة صرف، على امتداد حوض الميناء الشرقية!). ولم تكن خطط العمل تتضمَّن انتشال هذه الكتل، التي تزن الواحدة منها عشرات الأطنان. وجاء الفرنسيون بمادة كيماوية، توضع فوق النقوش؛ وبالضغط عليها، تتحوَّل إلى مادة ذات طبيعة جلدية، وقد انطبعت عليها النقوش. وبهذه الطريقة، تيسَّر الحصول على نقوش الكتل الضخمة الغارقة؛ وأُرسِلت إلى علماء في السوربون، حيث تُرجِمت؛ وإن كانت الترجمة شابها بعض الأخطاء التي اكتشفها الأثريون المصريون، وصححوها.
الجدير بالذكر، أن بعثة أمريكية قد بدأت العمل، في صيف عام 2000 ، مُسْتخدمةً أجهزة حديثةً، لرسم خريطة كاملة ودقيقة لكل الآثار الغارقة، بالميناء الشرقية. الجدير بالذكر، أيضاً، أن إدارة الآثار الغارقة لديها خطط طموحة لعرض آثار الميناء الشرقية الغارقة، واستغلالها سياحياً، مع الآثار المجاورة عند قلعة قايتباي؛ وتعد الإدارة مشروعاً سياحياً تنموياً متكاملاً، فلا يكفي – كما يقول رئيس الإدارة – ولا يصح التفكير في اتجاه الاستغلال السياحي وحده، بل يجب أن يكون ذلك من خلال خطط أخرى مكمِّلة، لتنمية منطقة الميناء الشرقية اجتماعياً واقتصادياً وبيئياً. وكانت أول خطوة في الإعداد لهذا المشروع، تنظيم حلقة تدارس لهذا الغرض، في نوفمبر 1999 ، بمشاركة خبراء من الجامعة، ومراكز البحث العلمي، وممثلين من الجهات الإدارية المتَّصلة بهذا الشأن..