|
م يكن المصريون القدماء يعرفون اسم أبي قير ولكن كانت هناك كانوب الميناء التجارية لمصر القديمة التي كان ينتهي عندها فرع قديم – اندثر الآن – لنهر النيل، وهو الفرع الكانوبي، وكان آخر تفريعات دلتا النيل إلى الغرب. والجدير بالذكر أن عدد فروع النهر كان سبعة، جفَّ منها خمسة حتى القرن التاسع الميلادي ولم يتبق غير فرعي رشيد ودمياط الحاليين.
وإلى جوار كانوب كانت هناك مدينتان صغيرتان هما مينوتيس وهراقليوم؛ وكانت المنطقة كحال الموانئ في كل العصور مركزاً للنشاط التجاري قبل أن يصل الإسكندر وينشئ الإسكندرية التي لم تلبث أن احتلَّت الصدارة. ومع مجيئ المسيحية عادت المنطقة إلى الازدهار كضاحية للعاصمة – الإسكندرية – وحصلت على اسمها الحالي من قدِّيس عاش بها ودُفن بأحد كنائسها وكان اسمه أباكير.
أمَّا ظهور أبو قير على مسرح عمليات الآثار الغارقة، فقد بدأ في عام 1930 عندا سجَّل طيَّار بريطاني هو الكابتن"كول" ملاحظاته عن مشاهداته أثناء طيرانه على ارتفاع منخفض فوق خليج أبي قير؛ وتضمَّنت تلك المشاهدات تكويناً ضخماً على هيئة حدوة حصان تحت سطح البحر. ووصلت هذه الأخبار إلى علم أحد أمراء الأسرة المالكة المستنيرين هو الأمير "عمر طوسون" وكان يملك إقطاعية ضخمة حول الخليج فكلَّف بعض المهندسين بتحديد مواقع هذه الآثار. واستمرَّ طوسون في اهتمامه بآثار خليج أبي قير الغارقة فانتشل رأس تمثال من الرخام الأبيض وهو معروض بالمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية كما اكتشف عدَّة أرصفة وقواعد لأعمدة من الجرانيت الأحمر حدد موقع أحد المعابد على بعد 240 متراً من خط الساحل.
وفي كتابه "حضارات غارقة" وهو أول مؤلَّف في اللغة العربية عن الآثار الغارقة أصدرته "دار المعارف" في عام 1965 ، يقول الدكتور"سليم أنطون" أن قصة أبي قير الأثرية لم تُحكى كلها وأن مياه هذه المنطقة لا تزال تحتفظ بكثير من الأسرار؛ ويقول – في أسيً واضح – إن تلك المياه تصون أسرار ما تحتضنه من آثار بأمانة أكثر – ربما – مما لو انتُشِلت هذه الآثار وتُركت فوق سطح الأرض معرَّضةً لعبث العابثين ونهب الناهبين.
أسطول نابليون الغارق: ويضيف رئيس إدارة الآثار الغارقة: إن أبا قير منطقة محظوظة لأنها جمعت بين الآثار القديمة, وما يمكن تسميته – مجازاً – بالآثار الحديثة المتمثَّلة في أسطول نابليون؛ فتحت المياه الساكنة لخليج أبي قير – تُعرف المنطقة اليوم باسم البحر الميِّت - يرقد معظم سفن الأسطول الذي نقل نابليون بونابرت وحملته إلى مصر، فكما هو ثابت تاريخياً انتصر عليه أمير البحر الإنجليزي هوراشيو نلسون وأغرقه في واحدة من أشهر المعارك البحرية هي معركة خليج أبي قير أو معركة النيل كما يسميها المؤرِّخون الأجانب. ويكفي أن نراجع عدد السفن من كل جانب وتسليح كل سفينة لنستنتج حجم الموقعة وليتأكَّد لنا أن المنطقة عامرة بمخلَّفات تلك المعركة وهي مخلَّفات لا يعدُّها بعض خبراء الآثار آثاراً لأنَّ عمرها لا يزيد – كثيراً – عن مائتي سنة فقد جرت وقائع تلك المعركة في صيف عام 1798.
كان الأسطول الفرنسي مكوَّناً من 13 سفينة من بينها تسعٌ تحمل كلٌ منها 74 مدفعاً وثلاثٌ تحمل كل منها 80 مدفعاً؛ أما سفينة القيادة لوريانت فكان تسليحها 120 مدفعاً. وكان الأسطول الإنجليزي مكوَّناً من 13 سفينة أيضاً بكل منها 74 مدفعاً. وقد أغرق الإنجليز سبع سفن فرنسية من بينها سفينة القيادة لوريانت ترقد جميعها تحت مياه البحر الميِّت الذي قد يكون حصل على هذا الاسم من كونه مقبرة لهذه السفن وإن كان أغلب ظننا أن التسمية معاصرة وقد التصقت به بعد أن صار واحداً من أكثر المسطَّحات المائية تلوُّثاً.. في العالم!
وقد بدأت جهود البحث عن أسطول نابليون في العام 1965 وشارك فيها واحد من هواة الغوص والآثار المصريين هو المرحوم" كامل أبو السعادات" فتمَّ تحديد مواقع ثلاث من السفن الفرنسية الغارقة هي: لوريانت و أرتميس و لاسيريور بالإضافة إلى موقعين محتَمَلين لسفينتين أُخريين. كما جرت في العام 1998 عمليات مسح لموقع الأسطول الغارق أسفرت عن اكتشاف 241 قطعة من العملات الذهبية فرنسية ونمساوية و مالطية وإسلامية بالإضافة إلى أكثر من 400 قطعة من العملات الفضية والنحاسية والبرونزية مع مجموعة من أدوات المائدة التي كان يستخدمها جنود الحملة وبعض الملابس العسكرية وأزرار منها.
والثابت تاريخياً أن سفينة القيادة لوريانت قد انفجرت نتيجة كثافة القذائف الإنجليزية المنهمرة عليها فتحطَّمت تماماً قبل أن تغرق ولم يعثر الغوَّاصون إلاَّ على أجزاء متفرِّقة منها أهمها دِفَّة السفينة وطولها 11 متراً ووزنها 14 طنَّاً وهي مصنوعة من الخشب والبرونز وقد فكَّر المسؤلون في انتشال دفَّة الأوريانت لتُرمَّم وتُعرض في المتحف البحري ولكن أعاقهم ضعف الإمكانيات الفنية الضرورية للمعالجة السريعة الخشب فور خروجه من الماء فاتجه التفكير إلى الإبقاء على الدفة في مكانها عند القاع على أن تحاط بحوض زجاجي. ووجود آلاف القطع ذات القيمة الأثرية والتاريخية الفائقة في المدن الغارقة بخليج أبي قير يجعل من الأهمية بمكان إنشاء متحف بحري خاص بأبي قير للحفاظ على كنوزها الأثرية
أنشئت في عام 1996 إدارة جديدة للتنقيب عن الآثار الغارقة تحت الماء في المجلس الأعلى للآثار بناءً على النتائج التي توصلت إليها البعثات في قلعة قايتباي واكتشاف جزء من الحي الملكي في الميناء الشرقي بالإسكندرية. وكما كان عام 1962 له أهمية، وكما ترك انتشال التمثال العملاق لإيزيس من قاع البحر المتوسط أثراً كبيراً، فقد أثرت كذلك الاكتشافات التي تمت عام 1933 في خليج أبي قير.
يعرض المتحف بعض التحف التي تم اكتشافها في كل من الميناء الشرقي بالإسكندرية وخليج أبي قير
- تمثال بدون رأس لسيدة (يعتقد أنه للإله إيزيس) في وضع السير، والذي يظهر فيه القدم اليسرى متقدمة، وترتدي رداءً شفافاً يبرز مفاتن جسدها. الرداء مربوط علي كتفها الأيسر بعقدة، واليد اليمنى ممدودة بجانب جسدها والكف مفقود والأرجل كذلك مفقودة.
تعتبر إيزيس من أهم الآلهة في ديانة قدماء المصريين. كانت إله الحب ورمز تضحية الزوجة والأم، وكانت إله الأمومة وحامية الأم والطفل. وكانت تعبد في جميع أنحاء مصر وانتشرت ثقافتها في أماكن عديدة في أوروبا، وكانت تماثل آلهة أخرى كثيرة.
- رأس الإله سيرابيس بثقب في أعلاه للتثبيت . العينان محفورتان ولكنهما الآن عبارة عن ثقبين، الفم مفتوح بابتسامة باهتة، ملامح الوجه محددة، جزء من خصلات الشعر الخمس التي تسقط عادة على الجبهة.
الإله سيرابيس انصهر في مفاهيم الديانات المصرية واليونانية أساسا في الإسكندرية حيث بدأ بطليموس الأول ثقافته وأنشئ له أول ضريح لتقديسه وأطلق عليه سيرابيوم، واستمر تقديسه خلال العصر الروماني وانتشرت معابده في الإمبراطورية الرومانية.
وفي بعض الأحيان تم إدماج الإله سيرابيس مع آلهة أخري مصرية ويونانية. هذا الاندماج مثل "سيرابيس-زيوس"، و"سيرابيس-هيليو"، وسيرابيس-آمون.
يتميز تمثاله بالوجه الطويل وشعره المجعد الكثيف وشاربه الطويل الملفوف في نهايته وخمس خصلات من الشعر تسقط علي جبهته. . |